Showing posts with label revolution. Show all posts
Showing posts with label revolution. Show all posts

Monday, 8 August 2011

نحن التاريخ

دي تسايتDie Zeit  
العدد 32 / 2011
بقلم: يان روس
هل فشلت الثورة العربية؟ هراء. الأمر يحتاج فقط إلى الكثير من الصبر حتى تنتصر الحرية

انتهى الربيع العربي. هل انتهت الثورة أيضا؟ أصبح كل شيء فجأة عسيرا على الفهم و مربكا بين التدخل في ليبيا، وبيع الدبابات الألمانية إلى المملكة العربية السعودية، وحرب المواقع الدموية التي يشنها النظام السوري ضد شعبه. في مصر، تجابه المعارضة القيادة العسكرية، و المعارضة الإسلامية تقف ضد المعارضة الليبرالية، والمعارضة الإسلامية المتشددة تقف بمواجهة المعارضة الإسلامية المعتدلة. فقدنا النظرة الشاملة للوضع: هل مقترحات العاهل المغربي الإصلاحية خدعة أم خطوة إلى الأمام؟ وما نوع الفوضى التي تسود في بلد الفوضى، اليمن؟ تبدو الثورة كما لم تكتمل بعد، أجهضت و تعثرت. حركت صور المتظاهرين السلميين في ميدان التحرير في القاهرة مشاعر العالم كله تقريباً كما حركته صور سقوط جدار برلين. هل استعجلنا الأمر؟ هل بالغنا في تقديرنا للثورة؟ هل خيبت أملنا، أو هل انتهت بالفعل؟ أسئلة صعبة، و لكن علينا ألا نتجنب طرحها. لم يتوقف أي شيء. تحدث أشياء كل يوم ترينا واقعاً جديداً لا يمكن إيقافه في الشرق الأوسط. الثورة "جزيئية" كما كانت دائماً عبر التاريخ.
المودعون يسحبون أموالهم من المصارف السورية و يحولونها الى بيروت أو اسطنبول. يعني ذلك، تصويتا اقتصاديا بحجب الثقة عن نظام الرئيس بشار الأسد، الذي ما زال يأمل في إنقاذ هيمنته باستخدام الدبابات والقناصة. أصيب كذلك، مواطنو إمارة قطر الخليجية بالعدوى، ليس تماماً على شكل الثورة، بل على شكل احتجاج استهلاكي، كنوع من العصيان المدني ضد شركات الهاتف الخليوي في بلدهم، فقاموا بإطفاء جماعي لهواتفهم المحمولة لمدة ساعة، لإجبار هذه الشركات على تخفيض أسعارها و تحسين خدماتها. أما طالبات كلية الطب في مصراتة، المدينة الليبية التي تقاوم جحافل نظام القذافي منذ أشهر، فتكافحن من أجل حقهن بتحصيل الخبرة العملية عند سرير المرضى أسوة بزملائهن الشباب. حق لهن، فرضه الواقع تقريباً بسبب الحصار، و الحاجة المستمرة لهن لإسعاف الجرحى. المنطقة بكاملها مليئة بقصص الفضول و القلاقل، و أيضاً بروايات الفشل و الألم، كما نرى من خلال آلاف الضحايا الذين سقطوا على الأغلب، ضحية لصراع النظام السوري من أجل بقائه. مع ذلك، لا يمكن لأحد أن يجادل في أن العالم العربي في صيف 2011، يختلف بشكل جذري عنه في صيف 2010. كلا، لم نبالغ بتقدير الثورة بأكثر مما تستحقه. لكننا، أجرينا بشأنها مقارنة تاريخياً مضللة، مقارنة تعطيها حقها من حيث شدتها، لكنها تبخسها حقها من حيث طبيعتها. حدث ذلك، عند مقارنتها مع ثورات 1989، الشبيهة بانهيار البيوت المبنية من أوراق اللعب، التي ميزت انهيار النظام الشيوعي في أوربا: اليوم في وارسو، غداً في بودابست و براغ، من ثم برلين الشرقية فبوخارست، و انتهاءً بموسكو. الثورة العربية التي انطلقت في منطقة يعيش فيها 350 مليون إنسان إلى موعد لقائهم التاريخي مع الحرية، هي بالفعل أهم حدثٌ جرى على وجه الأرض منذ انهيار المعسكر الشرقي وقوة الاتحاد السوفييتي العالمية، و معهما انهيار الأيديولوجية الماركسية اللينينية. لا تتبع الثورة العربية نمط 1989، الذي لم يكن في واقع الأمر ثورة نمطية على الإطلاق. بل كانت أكثر من ذلك استثناءً صارخاً.نحن نتجاهل هذه الحقيقة بسهولة، لأن تلك كانت ثورتنا. عاشها منا الذين هم الآن في منتصف أعمارهم أو في الشوط الأخير منها بوعي كامل، و يقارنون تلقائيا كل تقلب تاريخي بها. في واقع الأمر، كان وضع شعوب وسط أوروبا و أنظمتها في تلك الحقبة، فريداً للغاية: رؤية للعالم لم يعد أحد يؤمن بها الآن، ونظام سياسي بديل كان جاهزاً يومها في الغرب، و اتحاد أوروبي لم يكن بانتظار أعضاء جدد يستقبلهم، بل كان بانتظار العائدين إليه. كل هذا، يفسر السقوط المدوي وإعادة البناء السريعة. كما يفسر خيبة الأمل التي تصاحب مقارنة هذا النجاح السريع بأي فشل آخر. يتعين علينا بالأحرى، مقارنة الثورة العربية بحدث مناسب أكثر للمقارنة، وهو مع الثورات الأوربية التي حدثت في القرنين الثامن و التاسع عشر. بدءا من ثورة 1789 في فرنسا، إلى ثورات 1848 التي هزت أوربا، عندما انتفضت القارة بأكملها ضد الحكم الأجنبي و القمع الحادث في فرنسا، و ألمانيا، و بولونيا، و النمسا، و المجر، و إيطاليا. تلك كانت ثورات ثارت فيها البورجوازية، أي"الطبقة الثالثة" من "غير النبلاء"، ضد السلطة المهيمنة، و امتيازات الملكية، والطبقة الأرستقراطية، و ضد الكنسية. تلك هي الآن، حال الطبقة الوسطى المتعلمة العربية، و حال الجماهير المحبطة التي تثور على إقطاعيات القرن العشرين، وعلى جماعات المتسلطين الفاسدة. كافحت الثورات الأوربية من أجل تحقيق الرأسمالية، و المجتمع الليبرالي، و دولة القانون، و الديموقراطية. هذا هو ما يحدث الآن في العالم العربي بهدف الالتحاق بركب القرن الحادي و العشرين. الحاسم في الأمر: هو أن التاريخ الثوري في القرن التاسع عشر، كان عملية مضنية طال أمدها، و منيت بالعديد من النكسات، من ثورات تم القضاء عليها، وانتصارات منيت بالخسارة بسبب التطرف أو الجبن الذي أصابها. وتمت إعادة تنصيب أنظمة ملكية قديمة بواسطة انقلابات حدثت، أو نتيجة تدخل أجنبي. يومها، أرادت الدول الرجعية كبروسيا، و النمسا، و روسيا، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بعد هزيمة نابوليون النهائية في الحروب الأوربية عام 1815، و نفيه إلى جزيرة القديسة هيلانة في المحيط الأطلسي . هذا الذي نصب نفسه إمبراطورا، لكنه كان مع ذلك، ما يزال يجسد بقايا من روح الثورة الفرنسية. كان هؤلاء يريدون إعادة فرنسا و القارة برمتها إلى الوقت ما قبل عام 1789. الأمراء الذين تمت إزاحتهم من قبل، أعيد تنصيبهم على عروشهم،. صاحب ذلك، ترسيخ الدولة الأمنية، وجواسيسها، وبصاصيها، و إرساء القمع فيها . لكن أهم ما في النقطة الثانية أن ذلك لم ينجح فعلاً. أدت إعادة النظام الملكي إلى قمع القوى الثورية لفترة، لكنه لم يكن قادراً على خنقها. كذلك، لم يستطع هذا "الترميم" إرجاع الوضع إلى ما كان عليه سابقاً. لم تعد فرنسا في عام ١٨٢٠ لما كانت عليه عام١٧٨٠. أصبحت واجهة لنظام سياسي كرتوني متقادم، يكمن وراءه بناء اجتماعي متجدد. تحول المجتمع بسرعة كبيرة إلى مجتمع "برجوازي"، حتى وإن استمر العديد من النبلاء يتمشون في أروقة الأغنياء الجدد، شامخين بأنوفهم تعالياً. تمت مراقبة الصحافة والتضييق عليها، لكنها بقيت تتقدم مع ذلك بقوة، ولم يكن بالإمكان القضاء عليها، كما يحصل الآن في العالم العربي عندما يظن أي ديكتاتور عربي أن بإمكانه التخلص من الإنترنت. حاول الماضي أن يقاوم، لكن لم يكن ما قام به سوى معارك إعاقة، إذ لم يعد بالإمكان كبح اندفاع تيارات الأعماق التاريخية نحو المستقبل. يجب أن نأخذ بعين الاعتبار، كل هذه الأزمات المتشابكة العديدة التي حصلت، وخاصة تلك النزعة الجامحة نحو التطور، كي يمكننا تقدير فرص نجاح الثورات العربية بشكل واقعي. لا يمكن بشكل قاطع، توقع نجاحات أكيدة على المديين القصير والمتوسط. إذ، لا يمكن فقط قمع الانتفاضات كما حدث في البحرين بمساعدة الدول الخليجية المجاورة، بل يمكن أيضا انتزاع النصر من ثورات كانت منتصرة. عاش لبنان عام 2005، حركة احتجاج ديمقراطية إثر حادث الاغتيال الفظيع لرئيس وزرائه السابق. نجحت تلك الحركة في طرد روح الخوف من ثقافة البلد السياسية، كما تم التخلص من تسلط الجار السوري الظلامي في شؤون الدولة اللبنانية. بدا وكأن البلد تحرر تماما وبعث من جديد. قدمت يومها ساحة الشهداء التي تجمع فيها متظاهرو بيروت نوعاً من الرؤية المستقبلية لما حصل لاحقا في ميدان التحرير في القاهرة. لكن، ظفرت سوريا و أعوانها اللبنانيون و إيران، القوة العظمى الحليفة في آخر المطاف، وأعادوا لبنان إلى حالة العجز السياسي السابقة. فشلت ثورة الأرز، وهو مصير قد يهدد أيضا الثورات العربية لعام 2011. لا خوف تقريباً على تونس و مصر، بلدي الطليعة في الثورة العربية، من التدخل الخارجي، لكن يبقى الاستيلاء على الحكم من قبل قواتهما المسلحة وترسيخ ديكتاتورية عسكرية فيهما خطر داهم. مع ذلك، أصبح احتمال عودتهما إلى حالتهما سابقا، بعيدا كبعد عودة النظم البائدة في أوربا القرن التاسع عشر. بل يتوقع، في حال حصول انعطافات حادة في سياسة الحكم المصرية، أو في حال قيام ثورة مضادة، أن تندفع الجماهير مجددا إلى ميدان التحرير في القاهرة، تماماً كما فعلت ضد مبارك. حتى وإن حصل ذلك، فلن يعني ذلك العودة إلى نقطة الصفر، إلى وضع كما كان سائدا إبان النظام السابق، لأن الشعب لم يعد كما كان عليه: فقد سبق واختبر الشعب مقدار قوته، وأركع الحكام مرة، وحتماً سيجد طريقة لفعل ذلك مرة أخرى. ليست هذه الثورة متعلقة فقط بتغير موازين القوى فحسب، بل هي متعلقة كذلك بتغير الناس، بتحررهم من سلبيتهم التي امتدت لعقود، وبتغلبهم على خوفهم، و استرجاعهم لذلك العنصر الأساسي، الذي كان القاسم المشترك والأساس لكل الثورات في عام 2011: الكرامة، وهذه لا يمكن لأحد أن ينقلب عليها. لذلك، و في هذه الحالة أيضاً فإن المعطيات الأساسية تقف إلى جانب الثوار، تماما كما كان الوضع عليه عندما صعدت البورجوازية وانتصرت الحداثة في أوربا. عالم الاجتماع الفرنسي ايمانويل تود، الذي توقع، من خلال رؤيا تثير الرعشة، سقوط الاتحاد السوفياتي، ثم الأزمة الحادثة في الولايات المتحدة، وأخيرا الثورة التقدمية في العالم الإسلامي، لاحظ ما يلي: أنها بالرغم من كل تخلفها، فإن المجتمعات العربية-الإسلامية كانت تسير على درب الحداثة منذ زمن بعيد، بموازاة مع زيادة في مستويات التعليم، وانخفاض في معدلات الولادة. كما أصبحت متطلبات هذه المجتمعات أكبر، وتبدلت فيها العلاقات القائمة بين الرجال والنساء؛ ولم يعد الأولاد الذين حصلوا على درجات تعليمية، يتقبلون فكرة تفوق أهلهم الأميين عليهم. في الظاهر، كان يبدو كل شيء محافظاً و أبوياً كما في السابق، لكن سلطة الآباء التي هي تجسيد لكل السلطات، بدأت بالفعل تتضعضع بمواكبة باقي السلطات. يتابع تود قوله، إن استطاعة المرء القراءة و الكتابة لا يمكن أن تبقى بدون عواقب على المجتمع والدولة. يمكن للمرء عندئذ قراءة المنشورات وفهمها، أو حتى كتابتها. تصبح المشاركة السياسية في هذه الحالة عملية طبيعية. ويتابع تود مقارنته مع تاريخ أوروبا، قائلا: اندلعت الثورة الفرنسية عندما كان بإمكان خمسين في المئة من الناس في الحوض الباريسي الكتابة. لذا، هو لا يجد التغيرات الحادثة حاليا، بطيئة تدعو إلى خيبة الأمل، مقارنة بما حصل آنذاك، بل على العكس. فرنسا، التي كانت الدولة الأكثر تقدما في القارة، احتاجت الى نحو قرن من التشنجات السياسية الرهيبة، حتى تسنى لها إنشاء تلك الجمهورية البرجوازية المستقرة إلى حد معقول، والتي كانت بالأصل هدف ثورة 1789. بالمقارنة مع ذلك، تبدو العملية الانتقالية الحالية في المجتمعات العربية-الإسلامية، مكثفة إلى حد بعيد، و ثقتها في وجهتها أكيدة بشكل مدهش. لا توجد حاليا دولة عربية معزولة إلى الحد أن مواطنيها يجهلون فيها كيف يعيش المرء بشكل محترم في القرن الحادي و العشرين، و كيف على دولة محترمة أن تتعامل مع مواطنيها. هناك الآن معايير عالمية تتعلق بأمور مختلفة، تمتد من كيف يجب أن تكون عليه الكفاءة الاقتصادية، إلى حقوق الإنسان التي لا يمكن تجاوزها بلا اعتراض، وهي التي تحدد الآن وجهة الحركات الاحتجاجية. يمكن للمرء أن يفكر، من أنه يحتاج قبل كل شيء إلى الشجاعة في الثورات، وهي عنصر بالطبع فائق الأهمية. لكن الأهم منها، هو الصبر – بدءا من ممارسة كيفية حبس النَفَس في الصراع مع النظام، إلى رباطة الجأش التي يجب أن يتحلى بها الشعب بعد انتصار ثورته، في تحمل تبعات العهد الماضي العديدة، وإمكانية استمرار بقاء الفقر وانخفاض مستويات المعيشة في مرحلة أولى، والتي ستكون أسوأ وليس أفضل. على الشعوب العربية في الشهور القادمة، أن تحشد كامل جَلَدها و قدرتها على التحمل. أما نحن، الذين بإمكانهم المساعدة في أحيان قليلة، وغالبا ليس بإمكاننا سوى مشاهدة ما يحدث، يتوجب علينا على الأقل كنظارة، أن نساهم بتواضع في هذا الصبر الثوري.

ترجمة: د. فراس الصالح
تنقيح: د. علي الصالح

Sunday, 26 June 2011

″طبقة″ الفرص الضائعة في سوريا

ترددت قبل أن أكتب هذه الأسطر حتى لا أصيب من سيقرؤني بإحباط فوق الإحباط الذي يشعر به بعضنا نحن المثقفين الآن، مع تردد وفقدان للجرأة في اتخاذ موقف واضح تجاه الأحداث الجسام التي يمر بها بلدنا الحبيب، لكن أيضا لعدم التأكد من أن ما جرى ويجري هو فرصة أخرى في سلسلة الفرص الضائعة من تاريخنا الطويل، فربما لم تفت الفرصة الحالية بعد أو تشارف على نهايتها.
أنا لست محللا أو كاتبا سياسيا، بل باحثا اقتصاديا، لكن ما شجعني على قبول التحدي، هو ما قرأته مؤخرا من نقد لتصرف بعض المثقفين والفنانين السوريين الذين حزموا أمرهم ومالئوا النظام، إما اقتناعا أو رياء كعادة مثقفي السلطة ومشايخها في هذه البلاد. قال من انتقد الفنانين، إنه في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، كل من وقف، ويقف، ضد المطالب العادلة بالديمقراطية والحرية والعدالة للشعوب هو الخاسر، فلسنا أمام موضوعات جدلية أو خلافية، نحن أمام قيم إنسانية أساسية من يتنكر لها فلا قيمة لفنه أو أدبه أو ثقافته.
بشكل عام، ينقسم السوريون في ولاءاتهم إلى ثلاث فئات. فئة أولى من الناس تدعم انتفاضة الشارع بحماس كبير بسبب يأسهم وما يشعرون به من إحباط تجاه الواقع اليومي، والحياتي، والمصيري المعاش في البلد. وفئة ثانية تدعم النظام بسبب استفادتها المباشرة منه خصوصاً المقربين منهم من رأس هرم السلطة المتمثل بالأجهزة الأمنية، وأمراء عسكر الحلقة، والحكام، وكبار موظفي الدولة، لكن أيضا كبار رجال الأعمال الذين استفادوا مما دعي بالانفتاح الاقتصادي، ودخلوا في شراكة مع أفراد من السلطة نفسها. أما الفئة الثالثة، فتتألف ممن يمالئ النظام، من شريحة التجار التقليديين، وأصحاب المصالح والمهن، وأكثر المثقفين، أي معظم ″الطبقة″ الوسطى التي تنظر برعب كيف تستحيل المدن السورية إلى مجمعات عسكرية لأول مرة في تاريخ سوريا الحديث، وترى في المظاهرات مقدمة لحرب أهلية أو سيناريو ليبي آخر سيؤدي حتما باعتقادهم إلى تدخل خارجي طالما شكل الهاجس الأكبر لدى أبناء الشعب السوري. يزكي هذا التوجس الأخير النظام نفسه الذي جعل منه شماعة لكسب تأييد هذه الفئة في نهاية الأمر.
هنا تدلي خولة دنيا (هكذا ورد اسمها على صفحات الإنترنت) بدلوها في وصف الأحداث قائلة أن لا أمل يرجى من المثقفين. وتختتم خولة صفحتها قائلة لهؤلاء المثقفين الذين أثاروا يأسها: ″كيف تبررون وقوفكم مع نظام اعتقل طائفة بأكملها لمصالحه وللدفاع عن هذه المصالح، بحجة دفاع الأقليات عن وجودها؟ كيف تبرروا وقوفكم للدفاع عن النظام الأمني الذي قمعكم لعشرات السنين، ويريد اليوم الاحتماء بطهارتكم بوجه الشعب؟ أسئلة كثيرة لا أجد لها جواباً سوى: إنه السقوط الأخلاقي للمثقف السوري المعارض في معادلة الثورة الحقيقية وهو ما أراه وجهاً آخر للخوف من مجريات ثورة ما فتئتم تطالبون بحدوثها وتنصلتم منها حين قامت″. ربما بالغت خولة هنا بعض الشيء عندما اتهمت المثقفين بالدفاع عن الجهاز الأمني الذي قمعهم طوال ما مضى من سنين. لكن، ذلك لا يغير كثيرا من حقيقة ما قالته.
وتتراوح اجتهادات هؤلاء المثقفين الذين أثاروا يأس خولة، بين موقف أدونيس من السلطة الذي وجه مؤخرا رسالة إلى الرئيس يعتقد فيها جازما أن الإصلاح يمكن أن يتم عن طريق النظام، مرورا بموقف الصديق ميشيل كيلو الذي وضع شروطا للحوار حول الإصلاح مع النظام نفسه للخروج معا من الأزمة، لاعتقاده أن لا سبيل آخر لتجنيب سوريا وشعبها كارثة محققة. بمعنى آخر، يأس خولة بمحله من أن ترى في وقت قريب، بعضا من كبار مثقفي بلدها يتقدم صفوف المتظاهرين كاشفا عن صدره، وملوحا بعلم الثورة كصاحبة تلك الصورة الشهيرة أيام الثورة الفرنسية التي أشارت إليها خولة في صفحتها.
خولة تبدي يأسها وفي مخيلتها صورة مثقفي الطبقة الوسطى الفرنسية أمثال ميرابو، ودانتون، وروبيسبيير، ومفكريها العظام أمثال فولتير وروسو، الذين أسسوا وقادوا تلك الثورة على الاستبداد، قبل أن تنكفئ هذه الثورة مرحليا بأيدي عسكر نابوليون الذين استبدلوا استبدادا باستبداد أمرّ وأدهى من سابقه، لأنه جاء متخفيا وملتحفا بشعارات الثورة نفسها في الحرية، والمساواة، والإخاء، ليلتف عليها وعلى عشرات الآلاف ممن ضحوا بحياتهم من أجلها.
لا تكمن مشكلتنا فقط في من لا يتقدم الصفوف من المثقفين. هذا لا يكفي لتفسير غياب جموع غفيرة من المنتفضين في كل من دمشق وحلب، بينما نرى الانتفاضة تبدأ في البلدات، والمدن الصغيرة، والوسطى منها القريبة أكثر من غيرها إلى الريف السوري، لتقمع على أيدي أبناء الريف نفسه من الذين اعتقلهم النظام للدفاع عن مصالحه، حسب تعبير خولة، موهما إياهم من أن استمرار وجوده هو حماية لهم ولحياتهم. أنا لا أريد أن أخوض كثيرا الآن في تحليل تاريخي، واجتماعي ديموغرافي يستغرق صفحات وصفحات، لسنا الآن بصدده لتسارع الأحداث، لكن يجب إتمامه في يوم من الأيام.
هناك تفسير أولي لذلك، لكنه لا يكفي لتفسير هذه الظاهرة بكل جوانبها. العنصر الأول، هو أن الحاضرتين الكبيرتين، خاصة دمشق، لم تعودا تتمتعان بنسيج سكاني متجانس كما في السابق يسمح بحراك اجتماعي أسهل، نتيجة التغييرات الاجتماعية الكبيرة التي طرأت عليهما منذ الاستقلال وحتى الآن، من هجرة مكثفة للريف إليهما، إما للبحث عن لقمة العيش فيهما نظرا لخطأ السياسة الإنمائية المتبعة التي تركزت على توفير فرص العمل فيهما على حساب باقي البلد، أو للعمل في أجهزة الدولة المركزية، أمنية كانت أو عسكرية، فدمشق نفسها تقع في عمق الجبهة مع العدو، وتكاد أن تكون مدينة حدودية. هذا يفسر مثلا، كيف أنه باستطاعة النظام إلقاء عشرات الآلاف من موظفين، وأمنيين، وغيرهم من أبناء "الطبقة" الوسطى وصغار الكسبة، ونقلهم من أحيائهم أو أماكن عملهم إلى أماكن التجمع الواسعة في ساحات المدينة الرئيسية باستخدام وسائط النقل العامة، بينما يحرم من ذلك المنتفضين الذين لا يملكون سوى الانطلاق من الجوامع ليتظاهروا في الأزقة والحارات متخفين تحت جنح الظلام، أو في ضواحي المدينة المترامية حيث أحزمة الفقر، ليعانوا من بطش السلطة والتنكيل بهم، وإطلاق الرصاص عليهم.
أما العنصر الثاني، فهي التركيبة الاجتماعية نفسها في مدينة كدمشق. دمشق بلا روح، بلا طبقة وسطى، بالمعنى الدقيق للكلمة. لم تنشأ لدينا طبقات اجتماعية متماسكة كما هي الحال مثلا في أوروبا، بل شرائح اجتماعية ضعيفة البنيان. في أوروبا، هي الطبقة الوسطى التي أنشأت عصر التنوير فيها، وأحدثت الثورة الصناعية، منها كان المخترعون، والشعراء، والكتاب، والمفكرون، الذين قادوا الثورات الاجتماعية هناك، حتى تلك التي حدثت باسم العمال والفلاحين. هناك أيضا حدثت هجرات واسعة من الأرياف إلى المدن، لكنها لم تريّف المدن كما حدث عندنا، أو تعيق من تقدمها بوتيرة أسرع. هناك حدث العكس. جاءت الهجرات الريفية فوجدت أمامها بنيانا مدينيا مكتملا قام بهضمهم: مجتمع مديني متين ومتمايز طبقيا، كانت هناك طبقة النبلاء، والطبقة البرجوازية وشريحتها العليا المتحالفة مع النظام الملكي، وتلك الشريحة الوسطى منها التي انحازت إلى جانب طبقة العمال والفلاحين، مشكلة قاطرة الحراك الاجتماعي والتقدم في كل المجالات. لكن بالمقابل، إذا كانت هي التي حققت الوحدتين الألمانية والإيطالية، فهي أيضا من أوقد نار الحربين العالميتين، وهي من قاد الحروب الاستعمارية في القرنين الأخيرين.
أما عندنا، فلم تكن "الطبقة" الوسطى المدينية هي من أسس دولة الحداثة منذ قدوم البعث. بل العكس صحيح. النظام البعثي هو الذي أوجد، أو كان في أساس نشوء الشرائح الاجتماعية المختلفة التي نشاهدها اليوم، سلبا أم إيجابا. لم تكن هذه الظاهرة شيئا مستجدا في تاريخنا، لكن لا مجال الآن للتوقف عندها كثيرا.
أكتفي هنا بالقول، من أن مختلف الشرائح الاجتماعية الجديدة العاملة في المجالات، اقتصادية كانت أو ثقافية، أو غير ذلك، نشأت إلى حد كبير نتيجة السياسات التي أسس لها النظام. إضافة إلى ذلك، جملة التحولات الاجتماعية الكبيرة التي شاهدتها البلاد منذ تسعينات القرن الماضي التي تمثلت ب"انفتاح مجتمعي" على الآخر، بهدف تجاوز المناطقية الضيقة، لتكوين مجتمع سوري يتمحور حول نظام يحابي من يشاء، ويكافئ، ويعاقب من يشاء من رعاياه، مستخدما بمهارة كل الوسائل المتاحة له لتكييف علاقاته بباقي البلد، كما يشتهي لها أن تكون.
هكذا نشأت مثلا "البورجوازية" السورية الحالية التي تضم شرائح اجتماعية عدة، تنعم بحوافز مادية توفرها لها سلطة تحسن "توزيع موارد" الخزينة على حلفائها في المجتمع أكثر منه على إدارة ناجعة للقطاعات المنتجة في الاقتصاد الوطني لخير كل الشعب.
خلاصة القول، هذا يفسر بعض ما يجري أو لا يجري في دمشق وحلب كما كانت تشتهي له خولة أن يكون. لا يشكل ذلك بالطبع عذرا لأمثالي من شيوخ المثقفين. ومع أني أكبر سنا من ميشيل كيلو الذي عانى قهرا، وتهجيرا، وسجنا، لكني لم أتقاعس قط عن النزول إلى الشارع خلال حياتي، داخل وخارج سوريا، بصحبة زوجتي والآن بدونها بعد أن توفيت مؤخرا. كنت من الموقعين على بيان التسعة والتسعين، ومن بين من تظاهروا أمام السفارة الليبية قبل أشهر ثلاثة، لكني عاهدت نفسي يومها، وكان جدار الخوف لم يكسر بعد، أن لا أنزل مجددا إلى الشارع إلا بصحبة مئة ألف من الشباب، وإلا فلا. والآن، بعد أن انتقل الكلام إلى لغة الدبابات والدماء، فإن التفكير بمجرد تغيير سلوك النظام ليس ناجعا، والطلب منه أو انتظاره أن يقوم بنفسه بتقويض أسس دولته الأمنية لصالح دولة القانون، هو كمن يطلب من النظام أن ينحر نفسه بنفسه، ودعوته للحوار مع معارضيه ومسدسه موجه إلى صدغهم، لن يؤدي إلا لدوام الظلم، والقهر، وغياب الحرية التي سفك الشباب دماءهم لأجلها.
ما الحل إذن؟ أخشى أن أردد هنا ما قاله أحدهم، والألم يعصرني، ليس هناك سوى الدماء والدموع. لكن، عندها تكون سوريا التي نحبها كلنا قد اتشحت بالسواد.

د. علي الصالح، باحث اقتصادي.